مولر: الأمريكيُّ اليساريُّ الذي كرهَهُ الجميعُ وكشفَ حقيقةَ الإشعاع
وقت القراءة: 9 دقيقة


يقولُ كارل ماركس، الفيلسوفُ الألمانيُّ والاقتصاديُّ الاشتراكيُّ المعروفُ: إنَّ الفلاسفةَ فسرُوا العالَمَ بطرقٍ مختلفة، لكنَّ الهدفَ هوَ تغييرُ العالَمِ وليسَ تفسيرَه.   

استخدمَ العالِمُ الأمريكيُّ "هرمان مولر" تلكَ العبارةَ في خطابٍ أرسلَهُ إلى "جوزيف ستالين". كانَ "مولر" يضِجُّ منَ السياساتِ الرأسمالية، لذا؛ تركَ الولاياتِ المتحدةَ الأمريكيةَ وتعاونَ معَ علماءٍ روسٍ منْ أجلِ "تغييرِ العالَم". إلا أنَّ بطشَ الديكتاتور "ستالين" لمْ يُمكِّنْهُ منْ تحقيقِ حُلمِه. وفي رحلةِ هروبِه الدائمة؛ تمكَّنَ "مولر" منْ إحداثِ تأثيرٍ؛ غيَّرَ العَالمَ من حولهِ بشكلٍ جزئي. ففي خِضَمِّ رحلتِهِ بحثًا عنْ تحسينِ النسلِ، تمكَّنَ منْ إثباتِ أنَّ عددَ الطفراتِ الوراثيةِ يزدادُ في ذبابِ الفاكهةِ حينَ تتعرَّضُ للأشعةِ السينية.   

بسببِ ذلكَ الاكتشافِ الكبير؛ حصلَ "مولر" على جائزةِ نوبل للطبِّ عامَ ألفٍ وتسعِمئةٍ وستةٍ وأربعين.

تبدأُ الحكايةُ منْ عندِ "داروين". ذلكَ الباحثُ الذي قلبَ الدنيا رأسًا على عقِبٍ بنظريتِهِ التي وضعتْ أسسَ البيولوجيا التطوريةِ كما نعرفُها الآن. كانَ ذلكَ العالِمُ العظيمُ متأكدًا منْ قابليةِ الكائناتِ الحيةِ للتكيُّفِ معَ محيطِها البيئيِّ كنتيجةٍ لعملياتِ الانتقاءِ الطبيعي. ولحدوثِ الانتقاء، يجبُ أنْ تَحدُثَ تغييراتٌ في شفراتِنا الوراثية. تحدُثُ تلكَ العمليةُ طبيعيًّا عبرَ ألوفِ السنواتِ، أوْ حتى الملايينِ منها. لكنْ؛ هلْ يُمكنُ أنْ تَحدثَ طفراتٌ مفاجئةٌ تُشكلُ قفزاتٍ كبيرةً في حمضِنا النوويِّ على المدى القصير؟   

بعدَ داروين؛ لاحظَ العلماءُ وجودَ طفراتٍ لا علاقةَ لها بنوعِ البيئةِ أوْ ظروفِ المعيشةِ التي نشأَ البشرُ في ظلِّها. وقتَها؛ قالَ الباحثونَ إنَّ تلكَ الطفراتِ عشوائيةٌ وعرَضية؛ إلا أنَّ آخرينَ -ومنْ ضمنِهم مولر- بحثُوا عنِ الأسباب. كانَ السببُ الذي اكتشفَهُ مولر هوَ "الأشعةَ السينية".   

وُلدَ "هرمان جوزف مولر" في مدينةِ نيويورك في الحادي والعشرينَ منْ ديسمبر عامَ ألفٍ وثَمانِمئةٍ وتسعينَ. كانَ أجدادُه منْ جهةِ والدِهِ أصحابَ خلفيةٍ فنيةٍ ومهنيةٍ هاجروا إلى الولاياتِ المتحدةِ الأمريكيةِ في أواسطِ القرنِ التاسعَ عشَرَ للبحثِ عنِ "الحرية". أمَّا والدُهُ؛ المولودُ في نيويورك، فاستمرَّ على دربِ أبيهِ وعمِلَ في المنحوتاتِ المعدنية. أوقظَ الفنُّ روحَ الفتى المتوثِّبةَ والعاشقةَ للجمال؛ وكوَّنَ لديهِ حسًّا مبكرًا بطبيعةِ الكونِ وعمليةِ التطور؛ وكذلكِ رفاهيةِ الإنسان.   

أمَّا والدتُهُ "فرانسيس ليون مولر" فقدْ وُلدتْ في مدينةِ نيويورك أيضًا؛ جاءَ والداها منْ بريطانيا، لكنهما في الغالبِ انحدرا منْ يهودٍ إسبانٍ وبرتغاليينَ تركُوا موطنَهُمُ الأصليَّ نتيجةَ محاكمِ التفتيشِ واستقرُّوا في إنجلترا وأيرلندا. شجعتِ الأمُّ؛ وكذلكَ الأبُ، صبيَّهُما على التعاطفِ الواسعِ والاهتمامِ بالكائناتِ الحيةِ وحبِّ الطبيعة.   

خلالَ دراسةِ "هرمان مولر" الثانوية؛ كوَّنَ معَ أصدقائِهِ أولَ نادٍ علمي. وعلى الرغمِ منْ أنَّ عائلتَهُ كانتْ لديها مواردُ ماليةٌ محدودةٌ للغاية؛ إلا أنَّهُ تمكَّنَ منَ الالتحاقِ بجامعةِ كولومبيا. وخلالَ دراستِهِ عمِلَ "مولر" في وظائفَ بسيطةٍ لتوفيرِ نفقاتِه.   

بعدَ تخرُّجِهِ؛ عمِلَ في جامعةِ كولومبيا، وأنشأَ أولَ نادٍ علميٍّ للطلاب. وطيلةَ سنواتٍ خمسٍ امتدتْ منْ عامِ ألفٍ وتسعِمئةٍ وعشَرة وحتى عامِ ألفٍ وتسعِمئةٍ وخمسةَ عَشَر، انصبَّ اهتمامُهُ على دراسةِ الوراثةِ في ذبابةِ الفاكهة. وفي عامِ ألفٍ وتسعِمئةٍ وخمسةَ عشَر انتقلَ إلى معهدِ رايس بهيوستن لتدريسِ مجموعةٍ منْ مناهجِ البيولوجيا، وهناكَ بدأَ دراستَهُ حولَ الطفرات.   

في أعوامِ ألفٍ وتسعِمئةٍ وثمانيةَ عشَر وألفٍ وتسعِمئةٍ وعشرينَ وألفٍ وتسعِمئةٍ وواحدٍ وعشرينَ وألفٍ وتسعِمئةٍ وستةٍ وعشرين، صاغَ المبادئَ الرئيسيةَ للطفراتِ الجينيةِ العفويةِ كما هوَ معترَفٌ بهِ الآن، بما في ذلكَ تلكَ الخاصةَ بمعظمِ الطفراتِ التي تكونُ ضارةً ومتنحية، وكونَها آثارًا نقطيةً للحوادثِ الفيزيائيةِ الكيميائيةِ فوقَ الميكروسكوبيةِ التي تنشأُ في سياقِ الحركاتِ الجزيئيةِ العشوائيةِ (التحريضِ الحراري).   

في الوقتِ نفسِه، طرحَ مفهومَ الجين باعتبارِهِ يشكلُ أساسَ الحياة، وكذلكَ للتطورِ، وقدّمَ هذهِ الظاهرةَ على أنَّها الموضوعُ الأساسيُّ الذي يجبُ أن يُدرسَ إذا ما حاولْنا فهمَ طبيعةِ المادةِ الحية.   

في أواخرِ عام ألفٍ وتسعِمئةٍ وستةٍ وعشرينَ حصلَ على أدلةٍ حاسمةٍ على الإنتاجِ الوفيرِ للطفراتِ الجينية. وفي عامِ ألفٍ وتسعِمئةٍ وسبعةٍ وعشرين؛ نشرَ الورقةَ الأولى التي ادَّعتْ حدوثَ تغيُّراتِ الكروموسوماتِ بسببِ الأشعةِ السينيةِ في أثناءِ عملِهِ في جامعةِ تكساس، الذي امتدَّ منْ عامِ ألفٍ وتسعِمئةٍ وعشرينَ وحتى عامِ ألفٍ وتسعِمئةٍ واثنينِ وثلاثين.   

بعدَ ذلكَ؛ انتقلَ إلى ألمانيا، حيثُ تعاونَ معَ علماءَ روسٍ لدراسةِ الطفرات؛ ومعَ ظهورِ النازيةِ وصعودِ نجمِها؛ قررَ "مولر" الانتقالَ إلى الاتحادِ السوفيتي. المكانِ الذي ظنَّ أنهُ يشاركُهُ الأفكارَ المتعلقةَ بالعدالةِ والحقِّ والمساواة.   

كانَ "مولر" يؤمنُ بأنَّ تحسينَ النسلِ يُمكنُ أنْ يجعلَ البشريةَ أفضل. إلا أنَّهُ كانَ شديدَ العداءِ للأفكارِ "اليوجينية" التي تقضِي باستبعادِ سلالاتٍ معينةٍ وتصفيةِ الفئاتِ الاجتماعيةِ "غيرِ المرغوبةِ" منْ أجلِ صالحِ البشرية.   

وهناكَ؛ استمرَّ عملُهُ على ذبابةِ الفاكهة.. حتى حدثتِ الكارثة.

ففي أثناءِ عملِه؛ تصاعدَتْ حركةُ "ليسينكو" المضادةُ لعلومِ الوراثةِ في روسيا. كانَ "ليسينكو" عالمَ وراثةٍ روسيًّا رفضَ الانتقاءَ الطبيعيَّ، وأعلنَ أنَّ علومَ الوراثةِ مجردَ علومٍ زائفة. لفتَ "ليسينكو" انتباهَ الدكتاتور "ستالين" الذي دعمَهُ وسجنَ معارضِيه. كانَ "مولر" بطبيعةِ الحالِ أحدَ المعارضين؛ إذْ أرسلَ رسالةً إلى "ستالين" يلفتُ خلالَها نظرَهُ إلى علومِ الأحياءِ التطوريةِ وخطأِ زعمِ "لينسكو". أغضبتِ الرسالةُ الدكتاتور؛ وهنا قررَ "مولر" الانتقالَ إلى أدنبره، وبعدَها؛ حبَّذَ العودةَ إلى الولاياتِ المتحدةِ الأمريكية.   

بعدَ سنواتٍ؛ تسببتْ سياساتُ "لينسكو" الزراعيةُ في تكبيدِ الاتحادِ السوفيتيِّ خسائرَ مُروِّعةً في المحاصيل. وتسبَّبَ هروبُ "مولر" منَ الاتحادِ السوفيتيِّ في حصولِهِ على جائزةِ نوبل.   

كانَ "مولر" أولَ مَنْ أظهرَ التغيراتِ الجينيةِ التي يسبِّبُها الإشعاع! علاوةً على ذلكَ، فعلَ ذلكَ بطريقةٍ كميةٍ تحددُ تواتُرَ الطفرة. ومعَ ذلكَ، فقدِ استغرقَ الأمرُ ما يقرُبُ منْ عَقدينِ منَ الزمنِ حتى يتمَّ الاعترافُ بهذا العملِ بجائزةِ نوبل. كانَ التأخيرُ في جزءٍ كبيرٍ منهُ بسببِ سياساتِه اليسارية، وآرائِه المثيرةِ للجدلِ حولَ تحسينِ النسلِ وآرائِه التي غالبًا ما لا تحظى بشعبيةٍ حولَ مخاطرِ الإشعاع. لكنَّهُ في النهايةِ حازَ ثقةَ المجتمعِ العلميِّ.. الذي اعتبرَهُ الأبَ الشرعيَّ لعلومِ الوراثةِ والإشعاع.   

كانتْ أفكارُ "مولر" الثوريةُ عائقًا كبيرًا أمامَ تمتُّعِهِ بالسلام. ظلَّ الرجلُ أسيرًا لأفكارِهِ اليساريةِ في بلدٍ رأسمالي. شديدَ الإخلاصِ لعلومِ الجيناتِ بعدَ أنْ أفَلَ نجمُها من جَرَّاءِ السمعةِ السيئةِ التي اكتسبتْها بسببِ اليوجينية. أصرَّ على مواقفِهِ الهادفةِ إلى تحسينِ النسلِ دونَ المساسِ بالأعراقِ الرئيسيةِ، ما أكسبَهُ عداءَ جميعِ العلماء. لكنَّهُ في النهايةِ حازَ الثقة. وأصبحَ يُشارُ إليهِ بالبنان؛ لكونِهِ الرجلَ الذي اكتشفَ حقيقةَ الأثرِ المُدمرِ لتقنيةٍ كانتْ تُستخدمُ بإفراط.. تقنيةِ الأشعةِ السينية.

اللتمييز: اليونسكو تُدشّن حواراً لفهم أفضل للحق في التعليم
وقت القراءة: 2 دقيقة


أهابت اليونسكو بجميع البلدان أن يوفّروا حمايةً أفضل للحق الأساسي في التعلُّم؛ من خلال التصديق على الاتفاقية الخاصة بمكافحة التمييز في مجال التعليم، في ظلّ تعرّض أطفال وشباب العالم الأكثر ضعفاً لخطر الحرمان من التعليم بسبب جائحة فيروس كورونا.
وذَكَرت اليونسكو أنها ستدشّن، في سياق حملةٍ جديدةٍ لإذكاء الوعي بشأن الاتفاقية، حواراً يرمي إلى تحقيق فهم أفضل للحق في التعليم، والوقوف على الاحتياجات العالمية التي تزداد أهمية، على غرار تعميم التكنولوجيا الرقمية، وخصوصية بيانات المتعلمين، والانتفاع بالتعلُّم مدى الحياة.

صدّقت 106 بلدان حتى اليوم على الاتفاقية؛ التي اعتُمدت بتاريخ 14 ديسمبر/كانون الأول قبل 60 عاماً، والتي تُعتبر أول وثيقة دولية مُلزِمة قانوناً ومكرَّسة برمّتها للحق في التعليم، وتُوزّع هذه الدول على النحو التالي: 28٪ من البلدان في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، و46.8٪ في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، و60.6٪ في أمريكا اللاتينية والكاريبي، و63.1٪ في الدول العربية، و68٪ و88٪ على التوالي في كل من أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية وأوروبا الشرقية.

تنطوي مصادقة البلدان على هذه الاتفاقية على صياغة أو تحديث سياسات و/أو أُطُر قانونية لاستيفاء المعايير الدولية، وضمان إعمال الحق في التعليم، ومناهضة التمييز. ومن هذا المُنطلَق، تُعتبر هذه الاتفاقية بمثابة وثيقة ناجعة للدفع بعجلة تحقيق الهدف 4 من أهداف التنمية المستدامة؛ المتمثل في «ضمان التعليم الجيّد المُنصِف والشامل للجميع، وتعزيز فرص التعلُّم مدى الحياة للجميع».

الأمين العام للأمم المتحدة: البشر يشنون حرباً انتحارية على الطبيعة
وقت القراءة: 2 دقيقة

حذّر أنطونيو غوتيريش؛ الأمين العام للأمم المتحدة، ممّا وصفها بالحرب الانتحارية التي يشنّها البشر ضد الطبيعة. ودعا إلى تعزيز العمل على صعيد عدة مجالات لمنع الانزلاق إلى الفوضى ولتغيير علاقة البشر مع الطبيعة وبعضهم البعض. جاء ذلك في خطاب ألقاه في فعالية لجامعة كولومبيا الأميركية. 

قال غوتيريش: «التنوع البيولوجي ينهار، ويشرف مليون كائن على الانقراض. الأنظمة البيئية تختفي أمام أعيننا. الصحاري تتوسع، والأراضي الرطبة تتلاشى، وكل عام نخسر 10 ملايين هكتار من الغابات. المحيطات تتعرض للإفراط في الصيد وتختنق بنفايات البلاستيك، وثاني أكسيد الكربون الذي تمتصه يزيد حمضية مياه البحار. الشُّعب المرجانية تتعرض للتبييض وتموت. تلوث الهواء والماء يقتل 9 ملايين شخص سنوياً؛ بما يزيد بأكثر من 6 مرات عن عدد ضحايا جائحة فيروس كورونا. ويجب ألا ننسى أن 75% من أمراض الالتهابات البشرية الجديدة والناشئة تنتقل من الحيوانات».

وأشار الأمين العام إلى تقريرين جديدين صادرين عن كل من المنظمة الدولية للأرصاد الجوية وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة؛ يُظهران مدى اقتراب البشر من وقوع كارثة مناخيّة. وأضاف أنّ عام 2020 على المسار لأن يصبح واحداً من أكثر ثلاث سنوات ارتفاعاً في درجات الحرارة على مستوى العالم، حتى مع الأثر الخافض للحرارة لظاهرة النينا هذا العام.

وأشار الأمين العام للأمم المتحدة إلى أن الإغلاقات المرتبطة بجائحة فيروس كورونا قلّلت بشكلٍ مؤقت من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري والتلوث. ولكنه أضاف أن معدّلات ثاني أكسيد الكربون تظل عند مستوياتها القياسية، كما أنها تواصل الزيادة.

قال: «العلم واضح: من أجل الحد من ارتفاع درجة الحرارة كي لا يزيد عن 1.5 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، يتعيّن على العالم خفض إنتاج الوقود الأحفوري بنحو  6% سنوياً في الفترة بين الوقت الحالي و2030. ولكن بدلاً من ذلك يسير العالم في الاتجاه المعاكس، إذ توجد خطط لزيادة سنوية تبلغ 2%».

ويرى الأمين العام أن تداعيات ما وصفه بالاعتداء على كوكبنا، تعرقل جهود القضاء على الفقر وتهدد الأمن الغذائي، وتُصعّب العمل من أجل السلام، فيما تؤدي الاضطرابات إلى عدم الاستقرار والنزوح والصراع. وأضاف: «فلنكن واضحين، الأنشطة البشرية هي الأسباب الجذرية لانزلاقنا نحو الفوضى، ولكن هذا يعني أن العمل البشري هو الذي يمكن أن يساعد في حل ذلك. تحقيق السلام مع الطبيعة هو المهمة الحاسمة للقرن الحادي والعشرين. ويجب أن تكون الأولوية الأولى للجميع في كل مكان».

يُعد التعافي من فيروس كورونا فرصة وفقاً للأمين العام للأمم المتحدة؛ والذي قال أنّ هناك بصيص أمل يوفّره تطوير اللقاحات. ولكنه أشار إلى عدم وجود لقاح لتحصين كوكب الأرض. وأضاف غوتيريش أن تريليونات الدولارات الضرورية للتعافي من جائحة فيروس كورونا، هي أموال مُقترضة من الأجيال المقبلة. قال «لا يمكننا استخدام هذه الموارد لترسيخ سياسات تُلقي أعباءً على تلك الأجيال بجبل من الديون في كوكب منهار».

وأكّد أن الوقت قد حان للتحول إلى الاقتصاد الأخضر المستدام المدفوع بالطاقة المتجددة الذي يوفر وظائف جديدة وبنية أساسية نظيفة ومستقبلاً صامداً. وسيساعد العالم الجامع في ضمان أن يتمتع الناس بصحة أفضل مع الاحترام الكامل لحقوق الإنسان، وأن يعيشوا بكرامة على كوكب مُعافى.

وأضاف غوتيريش في خطابه عن حالة كوكب الأرض أنّ العالم يواجه ثلاثة حتميّات في التعامل مع أزمة المناخ؛ تتمثّل في الوصول إلى حياد الكربون (صفر انبعاثات لغازات الاحتباس الحراري) خلال الثلاثين عاماً المُقبلة، ومواءمة التمويل الدولي مع اتـفاق باريس؛ الذي يعد خطة العالم للعمل المناخي، وأخيراً تحقيق تقدم كبير في التكيف مع التغير المناخي لحماية العالم، وخاصةً الناس والبلدان؛ الأكثر ضعفاً، من الآثار المناخية.

تحققت خلال الأسابيع الأخيرة تطورات إيجابية مهمة، منها التزام الاتحاد الأوروبي بأن تكون أوروبا أول قارّة تصل إلى حياد الكربون بحلول عام 2050، وتعهُّد المملكة المتحدة واليابان وجمهورية كوريا وأكثر من 110 دول بنفس الهدف. وأشار الأمين العام أيضاً إلى أن الإدارة الأميركية المقبلة أعلنت المثل، كما تعهَّدت الصين بالوصول إلى ذلك قبل عام 2060. ودعا الأمين العام إلى تحويل هذا الزَّخم إلى حركة، وقال أن الهدف الجوهري للأمم المتحدة خلال عام 2021 هو بناء تحالف حقيقي لحياد الكربون، وأعرب عن ثقته في أن عام 2021 يمكن أن يشهد حدوث قفزة نوعية نحو هذا الهدف.

قال غوتيريش: «يجب أن تتبنى كل دولة ومدينة ومؤسسة مالية وشركة خططاً للتحول نحو صفر انبعاثات بحلول عام 2050. وشجّع المتسببين الرئيسيين في الانبعاثات على أن يقودوا الطريق بالقيام بعمل حاسم الآن للسير على الطريق الصحيح لتحقيق هذه الرؤية، بما يعني تقليص انبعاثات غازات الاحتباس الحراري على المستوى الدولي بنسبة 45% بحلول 2030 مقارنة بمستويات عام 2010».

وذكر الأمين العام أن آثار تغير المناخ والتدهور البيئي تقع أكثر ما يكون على كاهل النساء اللواتي يمثلن 80% من النازحين بسبب المناخ. وأضاف أن النساء أيضاً هنّ العمود الفقري للزراعة ورعاة الموارد الطبيعية، ومن بين المدافعين الرئيسيين عن حقوق الإنسان في مجال البيئة. قال: «تمثيل النساء في البرلمانات الوطنية يرتبط بشكل مباشر بتوقيع اتفاقيات تغير المناخ. وفيما يضع البشر استراتيجيات إدارة الموارد الطبيعية وحماية البيئة وبناء اقتصاد أخضر، نحتاج إلى مزيد من النساء صانعات القرار حول الطاولة». 

وخلص غوتيريش إلى القول أنه فصّل في خطابه الأزمة، لكنه يرى أيضاً أملاً يتمثل في تاريخ من التقدم الذي يُظهر ما الذي يمكن تحقيقه من الحفاظ على طبقة الأوزون إلى خفض معدلات الانقراض وتوسيع المناطق المحمية. وذكر أن الوقت قد حان لتغيير علاقة البشر بعالم الطبيعة وببعضهم البعض. وشدد على ضرورة العمل المشترك، وقال أن التضامن هو السبيل للبقاء، وهذا هو الدرس المستخلص من عام 2020، ودعا الأمين العام إلى التعلم من الدرس وتغيير المسار خلال الفترة المحورية المقبلة.

المواد الصناعية تضاهي كافة مكونات الطبيعة في الوزن
وقت القراءة: 2 دقيقة


كشف فريقٌ عالميّ من الباحثين أنّ كتلة كل شيءٍ بناهُ وصنعهُ الإنسان؛ من الأرصفة الخَرَسانية وناطحات السحاب المصنوعة من الزجاج والمعدن إلى الزجاجات البلاستيكية والملابس وأجهزة الكمبيوتر، أصبحت الآن مساويةً تقريباً لكتلة الكائنات الحية على الأرض، ويُمكِن أن تتجاوز ذلك مع نهاية هذا العام، وفقاً لبحثٍ نُشر في دورية «نيتشر»

قد يُعزّز هذا الاكتشاف الحُجة القائلة بأنّ الأرض دخَلت «الأنثروبوسين»؛ وهي حُقبة جيولوجية مُقترحة يكون فيها البشر القوةَ المهيمنةَ على تشكيل الكوكب. وهذا لا يحدث مرةً واحدةً في العمر فحسب، بل مرةً واحدةً في كل عصر. وفي حين أنّ هذه البصيرة رمزية أكثر من كونها ذات مغزىً علميّ، فإنّ المقياس المادي للمشروع البشري يساعد في تفسير كيف تَمكَّن البشر من تغيير دورات المُغذّيات العالمية، وتغيير المناخ، ودَفْع عددٍ لا يُحصى من الأنواع إلى حافة الانقراض.

للوصول إلى هذه النتيجة، عَمِل الباحثون على تجميع العديد من البيانات المنشورة مُسبقاً حول كتلة المواد الاصطناعية، والمواد الطبيعية، ووضعوا جدولاً زمنياً لكيفية تَغيُّر الاثنين منذ عام 1900 إلى يومنا هذا. وحصل الفريق على تقديراتٍ للكتلةِ بشريّةِ المَنشأ على مدار الـ120 عاماً الماضية، بمساعدة بحثٍ سابق في مجال البيئة الصناعية، كما قدّمت بيانات الأقمار الصناعية، ونماذج الغطاء النباتي العالمية معلوماتٍ تاريخيةً مثيرةً عن تحولات الكتلة الحيوية العالمية.

في بداية القرن العشرين، كانت كتلة الأشياء التي صنعها الإنسان تَزِن 35 مليار طن، أو ما يقارب 3% من الكتلة الحيوية العالمية. منذ ذلك الحين، نَمَتِ الكتلةُ بشريّةُ المَنشأ بشكلٍ كبير إلى ما يقارب 1.1 تريليون طن اليوم،  إذ يزيد التراكم الآن بمعدل 30 مليار طن سنوياً؛ وهو ما يعادل إنتاجَ كل شخصٍ على الأرض أكثر من وزنه من المواد المُصنّعة كل أسبوع.

تتكوّن معظم هذه الأشياء من الخَرَسانة، يليها الحَصى والطوب والإسفلت والمعادن، وإذا استمرت الاتجاهات الحالية، فإنّ هذه المواد المُصنّعة سوف تَزِن حوالي 2.2 تريليون طن؛ أي أكثر من ضِعف كافة أشكال الحياة على الأرض، بحلول عام 2040. بينما يتكوّن ما يقارب 90% من العالم الحي، من حيث الوزن، من النباتات؛ ومعظمها من الأشجار والشجيرات. ولكن مع زيادة تصنيع البشر للمواد كل عام، بقي وزن نباتات الأرض ثابتاً نسبياً.

في حين أنّ المقارنة بين الكتلة البيولوجية والكتلة التي من صنع الإنسان هي مؤشر واضح لتأثير البشر، إلا أنه من المهم ملاحظة أنّ الكتلة الحيوية للأرض قد تغيَّرَت بشكلٍ عميق من قَبل البشرية أيضاً؛ إذ تشير الدراسة إلى أنه ربما كان هناك ضِعف الكتلة الحيوية النباتية على الأرض في بداية الثورة الزراعية منذ حوالي 12 ألف عام، قبل أن يبدأ الناس في إزالة مساحات شاسعة من الغابات لزراعة الأراضي. وفي الوقت نفسه، يفوق البشر وماشيتهم الآن جميع الثدييات والطيور البرية على الأرض بمعامل يقارب الـ20 ضِعف.

يعترف الباحثون أنّ تَقلُّب البيانات يجعل من الصعبِ تحديدَ متى ستكون الأرض صناعيةً أكثرَ من كونها بيولوجية من حيث الكتلة. ولكن بالنظر إلى حجم الاختلاف بين أوائل القرن العشرين، منتصف القرن العشرين وأواخره، والآن؛ أوائل القرن الحادي والعشرين، من الصعب رؤية كيف يمكن تغيير هذا النمط.