الأحد، 13 ديسمبر 2020

مولر: الأمريكيُّ اليساريُّ الذي كرهَهُ الجميعُ وكشفَ حقيقةَ الإشعاع
وقت القراءة: 9 دقيقة

يقولُ كارل ماركس، الفيلسوفُ الألمانيُّ والاقتصاديُّ الاشتراكيُّ المعروفُ: إنَّ الفلاسفةَ فسرُوا العالَمَ بطرقٍ مختلفة، لكنَّ الهدفَ هوَ تغييرُ العالَمِ وليسَ تفسيرَه.   

استخدمَ العالِمُ الأمريكيُّ "هرمان مولر" تلكَ العبارةَ في خطابٍ أرسلَهُ إلى "جوزيف ستالين". كانَ "مولر" يضِجُّ منَ السياساتِ الرأسمالية، لذا؛ تركَ الولاياتِ المتحدةَ الأمريكيةَ وتعاونَ معَ علماءٍ روسٍ منْ أجلِ "تغييرِ العالَم". إلا أنَّ بطشَ الديكتاتور "ستالين" لمْ يُمكِّنْهُ منْ تحقيقِ حُلمِه. وفي رحلةِ هروبِه الدائمة؛ تمكَّنَ "مولر" منْ إحداثِ تأثيرٍ؛ غيَّرَ العَالمَ من حولهِ بشكلٍ جزئي. ففي خِضَمِّ رحلتِهِ بحثًا عنْ تحسينِ النسلِ، تمكَّنَ منْ إثباتِ أنَّ عددَ الطفراتِ الوراثيةِ يزدادُ في ذبابِ الفاكهةِ حينَ تتعرَّضُ للأشعةِ السينية.   

بسببِ ذلكَ الاكتشافِ الكبير؛ حصلَ "مولر" على جائزةِ نوبل للطبِّ عامَ ألفٍ وتسعِمئةٍ وستةٍ وأربعين.

تبدأُ الحكايةُ منْ عندِ "داروين". ذلكَ الباحثُ الذي قلبَ الدنيا رأسًا على عقِبٍ بنظريتِهِ التي وضعتْ أسسَ البيولوجيا التطوريةِ كما نعرفُها الآن. كانَ ذلكَ العالِمُ العظيمُ متأكدًا منْ قابليةِ الكائناتِ الحيةِ للتكيُّفِ معَ محيطِها البيئيِّ كنتيجةٍ لعملياتِ الانتقاءِ الطبيعي. ولحدوثِ الانتقاء، يجبُ أنْ تَحدُثَ تغييراتٌ في شفراتِنا الوراثية. تحدُثُ تلكَ العمليةُ طبيعيًّا عبرَ ألوفِ السنواتِ، أوْ حتى الملايينِ منها. لكنْ؛ هلْ يُمكنُ أنْ تَحدثَ طفراتٌ مفاجئةٌ تُشكلُ قفزاتٍ كبيرةً في حمضِنا النوويِّ على المدى القصير؟   

بعدَ داروين؛ لاحظَ العلماءُ وجودَ طفراتٍ لا علاقةَ لها بنوعِ البيئةِ أوْ ظروفِ المعيشةِ التي نشأَ البشرُ في ظلِّها. وقتَها؛ قالَ الباحثونَ إنَّ تلكَ الطفراتِ عشوائيةٌ وعرَضية؛ إلا أنَّ آخرينَ -ومنْ ضمنِهم مولر- بحثُوا عنِ الأسباب. كانَ السببُ الذي اكتشفَهُ مولر هوَ "الأشعةَ السينية".   

وُلدَ "هرمان جوزف مولر" في مدينةِ نيويورك في الحادي والعشرينَ منْ ديسمبر عامَ ألفٍ وثَمانِمئةٍ وتسعينَ. كانَ أجدادُه منْ جهةِ والدِهِ أصحابَ خلفيةٍ فنيةٍ ومهنيةٍ هاجروا إلى الولاياتِ المتحدةِ الأمريكيةِ في أواسطِ القرنِ التاسعَ عشَرَ للبحثِ عنِ "الحرية". أمَّا والدُهُ؛ المولودُ في نيويورك، فاستمرَّ على دربِ أبيهِ وعمِلَ في المنحوتاتِ المعدنية. أوقظَ الفنُّ روحَ الفتى المتوثِّبةَ والعاشقةَ للجمال؛ وكوَّنَ لديهِ حسًّا مبكرًا بطبيعةِ الكونِ وعمليةِ التطور؛ وكذلكِ رفاهيةِ الإنسان.   

أمَّا والدتُهُ "فرانسيس ليون مولر" فقدْ وُلدتْ في مدينةِ نيويورك أيضًا؛ جاءَ والداها منْ بريطانيا، لكنهما في الغالبِ انحدرا منْ يهودٍ إسبانٍ وبرتغاليينَ تركُوا موطنَهُمُ الأصليَّ نتيجةَ محاكمِ التفتيشِ واستقرُّوا في إنجلترا وأيرلندا. شجعتِ الأمُّ؛ وكذلكَ الأبُ، صبيَّهُما على التعاطفِ الواسعِ والاهتمامِ بالكائناتِ الحيةِ وحبِّ الطبيعة.   

خلالَ دراسةِ "هرمان مولر" الثانوية؛ كوَّنَ معَ أصدقائِهِ أولَ نادٍ علمي. وعلى الرغمِ منْ أنَّ عائلتَهُ كانتْ لديها مواردُ ماليةٌ محدودةٌ للغاية؛ إلا أنَّهُ تمكَّنَ منَ الالتحاقِ بجامعةِ كولومبيا. وخلالَ دراستِهِ عمِلَ "مولر" في وظائفَ بسيطةٍ لتوفيرِ نفقاتِه.   

بعدَ تخرُّجِهِ؛ عمِلَ في جامعةِ كولومبيا، وأنشأَ أولَ نادٍ علميٍّ للطلاب. وطيلةَ سنواتٍ خمسٍ امتدتْ منْ عامِ ألفٍ وتسعِمئةٍ وعشَرة وحتى عامِ ألفٍ وتسعِمئةٍ وخمسةَ عَشَر، انصبَّ اهتمامُهُ على دراسةِ الوراثةِ في ذبابةِ الفاكهة. وفي عامِ ألفٍ وتسعِمئةٍ وخمسةَ عشَر انتقلَ إلى معهدِ رايس بهيوستن لتدريسِ مجموعةٍ منْ مناهجِ البيولوجيا، وهناكَ بدأَ دراستَهُ حولَ الطفرات.   

في أعوامِ ألفٍ وتسعِمئةٍ وثمانيةَ عشَر وألفٍ وتسعِمئةٍ وعشرينَ وألفٍ وتسعِمئةٍ وواحدٍ وعشرينَ وألفٍ وتسعِمئةٍ وستةٍ وعشرين، صاغَ المبادئَ الرئيسيةَ للطفراتِ الجينيةِ العفويةِ كما هوَ معترَفٌ بهِ الآن، بما في ذلكَ تلكَ الخاصةَ بمعظمِ الطفراتِ التي تكونُ ضارةً ومتنحية، وكونَها آثارًا نقطيةً للحوادثِ الفيزيائيةِ الكيميائيةِ فوقَ الميكروسكوبيةِ التي تنشأُ في سياقِ الحركاتِ الجزيئيةِ العشوائيةِ (التحريضِ الحراري).   

في الوقتِ نفسِه، طرحَ مفهومَ الجين باعتبارِهِ يشكلُ أساسَ الحياة، وكذلكَ للتطورِ، وقدّمَ هذهِ الظاهرةَ على أنَّها الموضوعُ الأساسيُّ الذي يجبُ أن يُدرسَ إذا ما حاولْنا فهمَ طبيعةِ المادةِ الحية.   

في أواخرِ عام ألفٍ وتسعِمئةٍ وستةٍ وعشرينَ حصلَ على أدلةٍ حاسمةٍ على الإنتاجِ الوفيرِ للطفراتِ الجينية. وفي عامِ ألفٍ وتسعِمئةٍ وسبعةٍ وعشرين؛ نشرَ الورقةَ الأولى التي ادَّعتْ حدوثَ تغيُّراتِ الكروموسوماتِ بسببِ الأشعةِ السينيةِ في أثناءِ عملِهِ في جامعةِ تكساس، الذي امتدَّ منْ عامِ ألفٍ وتسعِمئةٍ وعشرينَ وحتى عامِ ألفٍ وتسعِمئةٍ واثنينِ وثلاثين.   

بعدَ ذلكَ؛ انتقلَ إلى ألمانيا، حيثُ تعاونَ معَ علماءَ روسٍ لدراسةِ الطفرات؛ ومعَ ظهورِ النازيةِ وصعودِ نجمِها؛ قررَ "مولر" الانتقالَ إلى الاتحادِ السوفيتي. المكانِ الذي ظنَّ أنهُ يشاركُهُ الأفكارَ المتعلقةَ بالعدالةِ والحقِّ والمساواة.   

كانَ "مولر" يؤمنُ بأنَّ تحسينَ النسلِ يُمكنُ أنْ يجعلَ البشريةَ أفضل. إلا أنَّهُ كانَ شديدَ العداءِ للأفكارِ "اليوجينية" التي تقضِي باستبعادِ سلالاتٍ معينةٍ وتصفيةِ الفئاتِ الاجتماعيةِ "غيرِ المرغوبةِ" منْ أجلِ صالحِ البشرية.   

وهناكَ؛ استمرَّ عملُهُ على ذبابةِ الفاكهة.. حتى حدثتِ الكارثة.

ففي أثناءِ عملِه؛ تصاعدَتْ حركةُ "ليسينكو" المضادةُ لعلومِ الوراثةِ في روسيا. كانَ "ليسينكو" عالمَ وراثةٍ روسيًّا رفضَ الانتقاءَ الطبيعيَّ، وأعلنَ أنَّ علومَ الوراثةِ مجردَ علومٍ زائفة. لفتَ "ليسينكو" انتباهَ الدكتاتور "ستالين" الذي دعمَهُ وسجنَ معارضِيه. كانَ "مولر" بطبيعةِ الحالِ أحدَ المعارضين؛ إذْ أرسلَ رسالةً إلى "ستالين" يلفتُ خلالَها نظرَهُ إلى علومِ الأحياءِ التطوريةِ وخطأِ زعمِ "لينسكو". أغضبتِ الرسالةُ الدكتاتور؛ وهنا قررَ "مولر" الانتقالَ إلى أدنبره، وبعدَها؛ حبَّذَ العودةَ إلى الولاياتِ المتحدةِ الأمريكية.   

بعدَ سنواتٍ؛ تسببتْ سياساتُ "لينسكو" الزراعيةُ في تكبيدِ الاتحادِ السوفيتيِّ خسائرَ مُروِّعةً في المحاصيل. وتسبَّبَ هروبُ "مولر" منَ الاتحادِ السوفيتيِّ في حصولِهِ على جائزةِ نوبل.   

كانَ "مولر" أولَ مَنْ أظهرَ التغيراتِ الجينيةِ التي يسبِّبُها الإشعاع! علاوةً على ذلكَ، فعلَ ذلكَ بطريقةٍ كميةٍ تحددُ تواتُرَ الطفرة. ومعَ ذلكَ، فقدِ استغرقَ الأمرُ ما يقرُبُ منْ عَقدينِ منَ الزمنِ حتى يتمَّ الاعترافُ بهذا العملِ بجائزةِ نوبل. كانَ التأخيرُ في جزءٍ كبيرٍ منهُ بسببِ سياساتِه اليسارية، وآرائِه المثيرةِ للجدلِ حولَ تحسينِ النسلِ وآرائِه التي غالبًا ما لا تحظى بشعبيةٍ حولَ مخاطرِ الإشعاع. لكنَّهُ في النهايةِ حازَ ثقةَ المجتمعِ العلميِّ.. الذي اعتبرَهُ الأبَ الشرعيَّ لعلومِ الوراثةِ والإشعاع.   

كانتْ أفكارُ "مولر" الثوريةُ عائقًا كبيرًا أمامَ تمتُّعِهِ بالسلام. ظلَّ الرجلُ أسيرًا لأفكارِهِ اليساريةِ في بلدٍ رأسمالي. شديدَ الإخلاصِ لعلومِ الجيناتِ بعدَ أنْ أفَلَ نجمُها من جَرَّاءِ السمعةِ السيئةِ التي اكتسبتْها بسببِ اليوجينية. أصرَّ على مواقفِهِ الهادفةِ إلى تحسينِ النسلِ دونَ المساسِ بالأعراقِ الرئيسيةِ، ما أكسبَهُ عداءَ جميعِ العلماء. لكنَّهُ في النهايةِ حازَ الثقة. وأصبحَ يُشارُ إليهِ بالبنان؛ لكونِهِ الرجلَ الذي اكتشفَ حقيقةَ الأثرِ المُدمرِ لتقنيةٍ كانتْ تُستخدمُ بإفراط.. تقنيةِ الأشعةِ السينية.

1 التعليقات: